أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
226
التوحيد
الشيطان ، وأنهم قالوا ذلك حسدا من عند أنفسهم ، ولا قوة إلّا باللّه . ولا يجوز أيضا الفعل من حيث الأمر ؛ لأنه ليس فيه إلا إلزام ، وفي ذلك مؤن عظيمة لا يضاف إليه بذلك ، بل من جهة الحمد والشكر كما قال : بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ [ الحجرات : 17 ] ، وقال : فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [ البقرة : 64 ] . وقال الكعبي : لا يضاف إلى اللّه إلا الحسن الجميل ، ثم زعم في إضافة الطاعات إليه أنه من وجه الأمر . وأي حسن في ذلك ، وقد بينا ما يدخل على ذلك . وزعم أنه لا تضاف إليه الشرور ؛ لأنه نهى عنها ، ولا تضاف إليه . قال الفقيه رحمه اللّه : وكذلك عندنا لا يضاف إليه لما بينا أن وجه الإضافة للشكر ، ولا وجه في ذلك . ثم قال : قول المسلمين : الخير والشر من اللّه ، إنما أرادوا مخالفة قول الزنادقة . وأما فعل العباد لم يخطر ببالهم ، بل قال اللّه [ تعالى ] : من عمل الشيطان . قال الفقيه رحمه اللّه : مما ذكر من قول المسلمين فهو كذب ، بل يقولون : قدر الخير والشر من اللّه ، وقدر الشر ليس هو الشر ، ولا كان القول في شأن الزنادقة لكان إذا قبيح إضافة الشر إلى الحكيم العليم ، بل [ من ] فعله الشر فهو شرير ، ومن فعله الإفساد فهو مفسد . وقوله : « لم يخطر ببالهم » كذب ، بل لا يخطر خصوص الذي ذكر ، ولا قوة إلّا باللّه . ثم قال : فإن قيل : لا أقول الكفر من اللّه من جهة الأمر ، ولكن نقول من جهة الخلق . قال : الأمر دون الفعل . قال الشيخ رحمه اللّه : فنقول : لا نقول الكفر من اللّه من طريق ، ولا شر بإطلاق القول " من اللّه " ، وكذلك من اللّه . وكذلك لا أحد يقول : إبليس من اللّه ، أو الشيطان من اللّه ، أو كل قذر ونتن من اللّه ، أو كل فساد من اللّه ، ثبت أن هذا اللفظ فاسد فيما كانت الخلق أيضا ، ولا قوة إلّا باللّه . والأصل في ذلك أن القول منه يخرج مخرج دعوى الأمر أو إضافة الأنعام ، وليس في ذلك واحد منهما البتة ، فلا يجوز الإضافة إليه ، وهو كما قلنا : إن اللّه في التحقيق وإن كان رب كل شيء وإله كل شيء وخالق كل شيء ، وكل شيء له ، لا يقال ذلك في الأرواث والخبائث والشيطان ونحو ذلك من الأشياء التي لا تذكر أنفسها إلا على الاستحقاق بها ، فإضافتها الواحد يخرج على ذلك ، وإن كانت في أنها مخلوقة كفرها مما يضاف إلى اللّه ، فمثله الذي نحن فيه ، ولا قوة إلّا باللّه . وعلى هذا يكره القول في الكفر والمعاصي إنها بقضاء اللّه وقدره وإرادته لوجهين : أحدهما ما ذكر من القبح ، أو هي لا تذكر إلا على الاستقباح والاستهانة ، والذي ذلك وصفه لا يضاف إلى اللّه تعالى على ما أخبرت ، وإن كان في التحقيق من